
لا يتألم أحد من ملعقة زائدة من الملح، ولا يشعر أحد بالدهون المتحولة وهي تتسلل إلى شرايينه مع قطعة معجنات. ولهذا السبب تحديدًا تُسمّى هذه المخاطر «صامتة»: لا تعطي إنذارًا فوريًا، وتعمل بهدوء على مدى سنوات ثم تظهر نتائجها في صورة ارتفاع ضغط الدم وتصلب الشرايين ونوبة قلبية. وتقدّر منظمة الصحة العالمية أن متوسط استهلاك الملح في العالم نحو 10.8 غرام يوميًا، أي أكثر من ضعف الحد الموصى به وهو أقل من خمسة غرامات، وأن الإفراط في الصوديوم يرتبط بنحو 1.89 مليون وفاة سنويًا. أما الدهون المتحولة الصناعية فتنسب إليها المنظمة أكثر من 278 ألف وفاة كل عام. وفي هذا المقال نشرح من أين يأتي الملح الزائد وكيف تخفضه دون أن يفقد طعامك نكهته، وما الدهون المتحولة وكيف تتجنبها.
كيف يرفع الملح الزائد ضغط الدم ويضر القلب والكلى والعظام؟
الصوديوم عنصر أساسي لعمل الأعصاب والعضلات وتوازن السوائل، لكن الجسم لا يحتاج إلا إلى كمية ضئيلة منه. وعندما يرتفع في الدم يحتفظ الجسم بمزيد من الماء لتخفيف تركيزه، فيزيد حجم الدم ويرتفع الضغط على جدران الشرايين. ومع الوقت يرهق ذلك القلب والأوعية والكلى، ويرفع خطر الجلطة الدماغية والنوبة القلبية وأمراض الكلى المزمنة.
وتشير المنظمة إلى أدلة متزايدة على صلة الإفراط في الصوديوم بسرطان المعدة والسمنة وهشاشة العظام وأمراض الكلى. والتوصية المعتمدة ألا يتجاوز الملح خمسة غرامات يوميًا، أي ما يعادل ملعقة صغيرة من كل المصادر. ومن الأمور المهمة أن هذا الحد لا يخص الملح المضاف على المائدة وحده، بل مجموع ما في الأطعمة كلها، وهو ما يجعل كثيرين يتجاوزونه وهم يظنون أنهم يقتصدون في الملح.
من أين يأتي معظم الملح الذي نتناوله فعلًا، ولماذا لا تكفي إخفاء المملحة؟
يأتي جزء كبير من الصوديوم في النظام الغذائي المعاصر من الأطعمة المصنعة والجاهزة، لا من الملح الذي نضيفه في الطبخ. فالخبز والجبن والمخللات والزيتون والمعلبات واللحوم المصنعة كالنقانق والمرتديلا والشوربات الجاهزة والمعكرونة السريعة والصلصات ومكعبات المرق ورقائق البطاطا والمقرمشات، كلها غنية بالملح. وتأتي أحيانًا في أطعمة لا تتوقعها، كرقائق الإفطار والبسكويت.
وفي الوجبات الخارجية والمطاعم يكون الملح عادة أعلى مما في الطعام المنزلي. وتقول المنظمة إن تقليل الملح يتم عبر وسيلتين: أن نضيف ملحًا أقل إلى طعامنا ونشتري أطعمة أقل صوديومًا. ويُذكر أن المنظمة صنّفت المملكة العربية السعودية ضمن تسع دول فقط تطبق حزمة شاملة من السياسات الموصى بها لخفض الصوديوم، لكن السياسات الوطنية لا تغني عن اختياراتك في المتجر والمطبخ.
كيف تخفض الملح تدريجيًا دون أن تفقد نكهة طعامك؟
ابدأ بقراءة ملصق القيم الغذائية، وانظر إلى بند الصوديوم، وتذكر أن كل غرام من الملح يحتوي على نحو أربعمئة ملّيغرام من الصوديوم، فإذا ضربت الصوديوم بنحو اثنين ونصف تقريبًا حصلت على الملح المكافئ. وقارن بين أنواع المنتج نفسه واختر الأقل. واشترِ الأنواع «قليلة الملح» أو «بدون ملح مضاف» من المعلبات والبقوليات، واشطف المعلبات بالماء قبل الاستعمال فيزول جزء من ملحها.
وفي المطبخ، تدرّج في النقص: خفّض الملح في وصفاتك قليلًا كل أسبوع، فالذائقة تتأقلم خلال أسابيع قليلة. وعوّض النكهة بالليمون والثوم والبصل والأعشاب الطازجة والبهارات كالكمون والكزبرة والفلفل والسماق والبابريكا والزعتر. وأخّر إضافة الملح إلى نهاية الطبخ، فتحتاج كمية أقل لتشعر بالطعم. وأبعد المملحة عن المائدة، وتقلل من مكعبات المرق، واستبدل بها مرقًا منزليًا. ولمن يستعمل بدائل الملح التي تحتوي على البوتاسيوم، فعليه استشارة الطبيب إن كان يعاني من أمراض الكلى أو يتناول أدوية معينة، لأن البوتاسيوم الزائد قد يكون خطرًا عليهم.
ما الدهون المتحولة، ولماذا تعد أخطر من الدهون المشبعة؟
الدهون المتحولة نوع من الدهون الناتجة أساسًا عن عملية صناعية تسمى «الهدرجة الجزئية»، تحوّل الزيوت السائلة إلى دهون شبه صلبة تطيل عمر المنتج وتحسّن قوامه. وتوجد بنسب ضئيلة طبيعيًا في بعض منتجات الحيوانات المجترة، لكن المقصود في التحذيرات هو النوع الصناعي. وهي تضر مرتين: ترفع الكوليسترول الضار وتخفض الكوليسترول النافع، فتسرّع انسداد الشرايين، وتزيد الالتهاب في الجسم.
وتقول المنظمة إن الدهون المتحولة تسد الشرايين وترفع خطر النوبة القلبية والوفاة، وإن أكثر من 278 ألف وفاة سنويًا تُعزى إلى تناول المنتج الصناعي منها. وتوصي بأن تقل حصتها عن واحد بالمئة من إجمالي الطاقة اليومية. وأطلقت المنظمة عام 2018 حزمة «ريبليس» للتخلص منها عالميًا، وبحلول 2023 كان قد اعتمد 53 بلدًا سياسات مثلى تغطي نحو 46 بالمئة من سكان العالم.
أين تختبئ الدهون المتحولة وكيف تكتشفها على الملصق؟
تظهر الدهون المتحولة الصناعية عادة في الأطعمة المخبوزة كالمعجنات والبسكويت والكعك والفطائر، وفي الأطعمة المقلية، وفي السمن النباتي والسمن الصناعي والزبدة النباتية والمارجرين الصلب، وفي بعض الوجبات الخفيفة المعبأة وبعض الأطعمة السريعة. وفي قائمة المكونات ابحث عن عبارات مثل «زيت نباتي مهدرج جزئيًا» أو «شحم نباتي» أو «دهن مهدرج»، فهي علامة تحذير.
ويجب الانتباه إلى أن بعض الملصقات تكتب «صفر دهون متحولة» حين تكون الكمية في الحصة قليلة جدًا، فتحقق من قائمة المكونات. وقد حصلت المملكة العربية السعودية في يناير 2024 على شهادة اعتماد من منظمة الصحة العالمية لتقدمها في التخلص من الدهون المتحولة المنتجة صناعيًا، وهذا يقلل المخاطر في الأغذية المحلية المنظمة، لكن الحذر يبقى ضروريًا مع الأطعمة المستوردة أو غير المراقبة جيدًا أو الأطعمة المقلية المعاد استعمال زيتها مرات عديدة.
ما الدهون الأفضل التي تعتمد عليها في الطبخ، وكيف تضع خطة أسبوعية بسيطة لخفض الملح والدهون المتحولة معًا؟
الاستبدال أهم من المنع. فزيت الزيتون والكانولا وعباد الشمس والذرة وزيت السمسم والمكسرات والبذور والأفوكادو والأسماك الدهنية كالسلمون والسردين مصادر جيدة للدهون غير المشبعة التي تفيد القلب حين تحل محل الدهون المشبعة. وتوصي المنظمة بأن تقل الدهون المشبعة عن عشرة بالمئة من الطاقة، وبألا تتجاوز الدهون الكلية ثلاثين بالمئة.
وفي الطبخ، فضّل الشوي والسلق والطهي بالفرن والتحمير الخفيف على القلي العميق، وإذا قليت فلا تعد استعمال الزيت مرات كثيرة لأن تسخينه المتكرر يولد مركبات ضارة. واختر السمن الحيواني أو الزبدة بكميات قليلة، فهما دهون مشبعة لكن ليستا من المتحولة الصناعية. وإن كنت تشتري الحلويات والمعجنات الجاهزة فاقرأ المكونات، وفضّل ما يصنع بزيوت غير مهدرجة.
في الأسبوع الأول، اقرأ ملصقات خمسة منتجات تشتريها باستمرار وقارن مع أنواع بديلة، وأبعد المملحة عن المائدة. وفي الثاني، بدّل منتجين من الأطعمة المصنعة العالية الملح بخيار منزلي، كأن تحضّر شوربة بدل المعلبة وتخبز بدل شراء المعجنات الجاهزة. وفي الثالث، قلل الوجبات الخارجية والقلي، وجرّب نكهات جديدة بالأعشاب والتوابل.
وفي الرابع، قس ضغط دمك إن كان ممكنًا وتابع مع طبيبك، خصوصًا إن كنت فوق الأربعين أو لديك ضغط أو سكري. وتذكر أن التغيير التدريجي المتكرر هو الذي يثبت. واستعن بأسرتك، فالتغيير الجماعي في المنزل أسهل. ومن يتناول أدوية للضغط فليواصل علاجه مع هذه الإجراءات، ولا يوقفه من نفسه لأن ضغطه تحسّن.
أسئلة شائعة عن الملح والدهون المتحولة
هل ملح البحر أو الملح الصخري الوردي أفضل من الملح العادي؟
كلها تحتوي على الصوديوم بنسب متقاربة، والفروق في المعادن النادرة لا تغير الصورة الصحية، وكمية الصوديوم هي المهمة. ولا تنسَ أن الملح العادي المدعّم باليود يفيد في الوقاية من نقص اليود، ولذلك توصي المنظمة باستعمال الملح المدعم باليود بكميات معتدلة.
هل أحتاج إلى مزيد من الملح إذا كنت أتعرق كثيرًا في الحر أو أمارس الرياضة؟
قد تزيد حاجة الرياضيين في الجهود الطويلة والحر الشديد بعض الشيء، لكن معظم الناس لا يحتاجون إلى زيادة ويحصلون على كفايتهم من الطعام. وإذا كانت لديك حالة طبية فاسأل طبيبك.
هل قلة الملح مضرة؟
الإفراط في تقليل الصوديوم نادر ويحدث عادة مع أمراض أو أدوية معينة أو تعرق شديد وشرب كميات هائلة من الماء. والمقصود هنا الاعتدال وليس الحرمان. وهذا المقال معلومات عامة ولا يغني عن استشارة الطبيب، خصوصًا لمرضى الضغط والكلى والقلب.
0 تعليقات